السبت، 20 أغسطس 2011

من كتابات نوارة نجم


تفكيك الثورة «2»August 19th, 2011 10:25 am

رأيى الشخصى الذى لا أفرضه على أحد، وسننتظر الأيام لتثبت صحته من عدمها، هو أن المجلس العسكرى كان فى البداية مرتبكا فى ما يخص موقفه من الثورة، لأن ما حدث لم يكن متوقعا، على الأقل فى هذا التوقيت. أنا أصدق دموع بعض القيادات العسكرية الذى نزل الميدان وانخرط فى البكاء بمجرد أن رأى مشهد الجماهير المهيب (هو المشير دون ذكر أسماء). إلا أن القرار بتنحية المخلوع لم يأت إلا بعد أن أثبت أنه غير لائق عسكريا، وأنه سيتسبب فى الإضرار بالمؤسسة العسكرية، فكان أمام المجلس العسكرى إما أن يختار بين ولائه للقائد الأعلى للقوات المسلحة أو ولائه للشرف العسكرى، فاختار المجلس الشرف العسكرى.
إذن فانحياز المجلس للشرف العسكرى يعنى أنه لم يأخذ صف الثوار بالضرورة، ولا صف النظام البائد أيضا، وإنما تصرف بما تمليه عليه عقيدته العسكرية، وهو أمر لا يعيبهم، بل يشرفهم ويزيد قدرهم فى إطار أنهم حماة الحدود. حماة الحدود والوطن وقناة السويس والمتصدون للعدو الاستراتيجى الإسرائيلى -كما ورد على لسان اللواء العصار فى وثائق ويكيليكس- وهى مهمة شريفة، ووطنية، وعلى راسنا من فوق. ولأن الشعب المصرى على وعى كامل بهذا الدور فإنه لم يسلك حيال القوات المسلحة نفس المسلك الذى سلكه تجاه وزارة الداخلية، التى كان منوطا بها حماية نظام أراد الشعب إسقاطه. ليس من شأن المجلس العسكرى أن يتصرف بوصفه قيادة ثورية، لأنه ليس كذلك ولم يدّع ذلك، لذا فقد تعهد بالاستجابة لـ«مطالب الثورة» التى يبدو أنه لم يكن يعلم جميعها حين تعهد بتنفيذها، ولذات السبب فإن المجلس العسكرى صرح بأنه يدير شؤون البلاد لحين تسليم البلاد إلى سلطة منتخبة.
هذه المقدمة التى تعتبر «حكيا فى المحكى» إنما هى تذكرة تنفع المؤمنين. فالشعب هو من حمى القوات المسلحة وحافظ عليها متماسكة، صلبة، وخلع عليها بهاء واحتراما يليق بالمهمة المنوطة بها. فعل الشعب المصرى ذلك بكامل وعيه -أمال أنا باحبه من شوية، شعب قمر- وظل الشعب يتعامل مع القوات المسلحة على هذا الأساس: احنا الثورة وانتو حرس الحدود. ومن ثم فقد دأب الشعب، بصبر أيوب، على النزول إلى الشارع لتشكيل «ضغط» يهزم الضغوطات الأمريكية والخليجية التى كانت تطمح إلى إجهاض الثورة وتبديد أهدافها، إلا أن خطأ ما حدث -لن أتكلم بشأنه الآن حتى يحين موعده- تسبب فى شعور المجلس العسكرى بأن الثورة قد تشكل خطرا على تماسكه الذى من أجله نحّى قائده، الأمر الذى تسبب فى تحول يلمسه جميعنا.
بداية، الثورة أيها المجلس العسكرى لم ولن تشكل خطرا على القوات المسلحة، والحادثة التى حدثت، وشيّلتك فى قلبك من الثورة، ولن أتكلم بشأنها الآن، كانت عارضة وليست جزءا من الثورة. ثم، ليس من الحكمة الظن بأن خطة تفكيك الثورة يمكن تؤتى أكلها، بالمفتشر كده: ما حدث فى البحرين لن يحدث فى مصر. لن يجدى نفعا أن يتم الترويج للفكرة الآتية: ليس كل من مات فى الثورة شهيدا! دبح القطة ده كان فى الأول مش دلوقت خااااالص.
كل من مات فى الثورة هو شهيد حقا وصدقا ويقينا، ما دام أخلص النية لله والوطن، ولا نزكى على الله أحدا، وأولئك الذين ماتوا أمام أقسام الشرطة ليسوا بلطجية، هم ثوار، وأقدموا على عمل ثورى سليم وصحيح تماما. الثورة هى خروج على النظام الحاكم ومحاربته لتفكيكه وإحلال نظام بديل له، ومن الطبيعى أن يهاجم الثوار بؤر القوة التى تمثل النظام الحاكم وتشكل ذراعه وقبضته، والنظام البائد كان نظاما بوليسيا بامتياز، أى أن ذراعه وعصبه هما الشرطة وأمن الدولة، ورمزه هو الحزب الوطنى، وما قام به الثوار من الهجوم على أقسام الشرطة، ومقرات أمن الدولة، والحزب الوطنى، هو عمل ثورى، يحسب بطولة إذا نجحت الثورة، ويعد جريمة إذا فشلت الثورة، تماما كما أن تسلم المجلس العسكرى إدارة شؤون البلاد كان سيعد انقلابا عسكريا يستوجب عقوبة الإعدام إذا فشلت الثورة، ويستلزم الشكر والتهليل والتكبير إذا نجحت الثورة، وتماما كما أن حركة الضباط الأحرار كانت ستجلب عليهم الرمى بالرصاص إذا ما فشلوا. إذن، ما الذى يقوله لنا الإعلام الحكومى المؤتمِر بأوامر المجلس العسكرى حين يصر على أن من ماتوا فى أثناء الهجوم على مقرات الشرطة وأمن الدولة والحزب الوطنى ليسوا شهداء؟ هل يخبروننا بأن الثورة فشلت؟ إن كان هذا هو الخبر، فأولا: يجب على المجلس التنحى وإعادة مبارك إلى سدة الحكم، ثانيا: كنتو تقولوا ساعتها عشان نعمل ثورة تانية.. مستنيين لما الحر دخل؟!

ليست هناك تعليقات: