د.حازم عبد العظيم يكتب: الضبابية في موقف فودة
نحن نعيش مرحلة فاصلة في تاريخ مصر بلا مبالغة . بل نعيش معركة بين عدة قوى واطراف بعضها لا يريد للثورة النجاح ويريد تجميدها وتعبئتها وتغليفها واعادة تدوير مخلفات نظام مبارك واحياؤه في ثوب جديد. وهذا المعسكر يقوده المجلس العسكري مع الاعلام الرسمي المصري وفلول نظام مبارك من ذوي الاموال وشبكة البلطجية التي تتحرك بالريموت كنترول و ربما جهات أخرى تخطط خلف الستار.
والاطراف التي تحاول الحفاظ على الثورة وتمثل من قاموا بها ومن انحازوا لها والاعلام الحر والضمائر الحرة لاعلاميين ومثقفين والاعلام الالكتروني المتمثل في الشبكات الاجتماعية بالاضافة قوة النزول الى الشارع وميادين تحرير مصر.
هذا الواقع لم يكن ماثلا امامنا بعد 11 فبراير حيث كنا جميعا ربما بدون اي استثناء مقتنعين ان الجيش حمى الثورة ثم بدأ الشك يتسرب لنا من اسلوب ادارة الاستفتاء وما تبعه من اعلان دستوري ثم اكتشفنا بعد ذلك ان مبارك يحكم مرة أخرى بنفس اسلوبه و ممارساته. وانا عن نفسي تبدلت قناعتي بدءا من 23 يوليو تحديدا والبيان رقم 69 .
أقول هذه المقدمة لتوضيح ان دور الاعلام الحر في حماية الثورة في هذه الفترة لا يقل اهمية عن النزول للشارع و الميادين والتي كانت و لا تزال وسيلتنا الوحيدة للحفاظ على الثورة . بل انه بعد نجاح الضربة الاولي لاجهاض الثورة في استقطاب النخبة وتنفير قطاع من الشعب من المليونيات أصبح دور الاعلام الحر في الحفاظ على الثورة وأهدافها لا غنى عنه لاعادة التوازن الذي بدأ يختل لصالح اعداءها.
ومن ثم ويبدو أن ذلك ليس ببعيد عن فكر من يخطط خلف الستار بدأت الضربة الثانية من خلال حملة مدبرة لقمع الاعلام الحر بدءا من الرقيب العسكري على بعض الصحف ثم تراجعوا ، الى توجيه التليفزيون الرسمي بقيادة اللواء الركن اسامة هيكل كما شاهدنا في احداث ماسبيرو الى الانقضاض على قنوات الجزيرة مصر و 25 يناير و الحرة ثم مؤخرا التدخل الذي تسبب في منع حلقة فودة مع الاسواني وعيسى.
من يخطط اذن يعلم ويعي جيدا ان نجاح الضربة الثانية ضد الاعلام الحر ستكون قد قضت على الثورة بنسبة كبيرة وما تبقى( من شوية الفكة ) يمكن معالجته باعتقال النشطاء السياسيين واستخدام الاعلام المنبطح ايضا في تشويه الثوار ومن يدافعوا عن الثورة.
ومن هذا المنطلق كنت اتعشم كثيرا في حس فودة الوطني ومازال العشم قائما ان يعلم أن قضيته لم تعد اعلامية ومهنية فقط . فقد وضعه القدر في مرتبة جنرال اعلامي يدافع عن الثورة. قد يقال أن دور الاعلامي لا يجب ان يكون سياسيا او منحازا لتيار بعينه ، والرد عليه ان الاعلامي المحترم هو من ينحاز للحق و بانحيازه للحق هو ينحاز للثورة . فودة احد جنرالات الاعلام القلائل الذين يعدوا على اصابع اليد الواحدة ممن نتمسك بهم لحماية الثورة من الهزيمة فى مواجهة المعسكر الآخر.
ومع حبي و احترامي وتقديري لفودة لم اشعر ان ادارته للموقف تناسب هذا الدور وان موقفه و ردوده ربما تكون مقبولة و مشكورة في ظروف عادية و لكن ليس في ظروف تاريخية استثنائية . فلو حدث ما حدث له اثناء عهد المخلوع مثلا لكان رد الفعل الذي قرأناه و سمعناه منه يكون مقبولا و ومحمودا . ولكن لو وضع في اعتباره ما ذكرته ان دوره يتعدي دور الاعلامي ووضعه التاريخ في موقف الجندي (الجنرال) الذي بيده سلاح قوي يستطيع من خلاله انقاذ الثورة من الضياع وان دوره مكملا لميادين التحرير لكان رد الفعل مختلفا و أكثر وضوحا وجرأة وحسم.
لقد ظللنا منذ الغاء الحلقة في حالة ضبابية بين تدخل ادارة القناة وتدخل ساويرس و تدخل العسكري حائرين بين الثلاثة و ان كان التوقع المنطقي لمن يقرأ الاحداث جيدا منذ 19 مارس يتوقع ان تدخل العسكري هو السبب. وكان أول بيان لفودة على الفيسبوك يصلح في ندوة عامة عن حرية الاعلام ثم ما كتبه على تويتر بعدها بايام ان المشكلة ليست مع ادارة القناة و بدأنا ندخل في لعبة الاستنتاج او التشخيص بالاستبعاد و يعلمها الاطباء Diagnosis by exclusion . ثم كانت مقالة حسن نافعة "الكرة في ملعب فودة" و بها تمويه آخر ويجب ان يسأل عليه أيضا د. نافعة حيث قال " اتصل بى فى اليوم نفسه أحد الضباط المسؤولين عن الإعلام فى إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، مؤكدا عدم ممارسة المجلس العسكرى أي ضغوط على يسرى فودة أو غيره" ثم وصلت الاتهامات الى ساويرس بعد التصريحات التي ذكرها امس بتاريخ 29 اكتوبر " إن علاقته ببعض أصدقائه ساءت بسبب قناة ''أون تي في'' ، مشيرا إلى أنه حان الوقت ليتدخل في شؤون القناة لأن ما يحدث يحتاج إلى قليل من الترشيد بسبب اشتعال الأوضاع" و لا ادري هل يقصد اصدقاءه في المجلس العسكري هذا مجرد تخمين و هو فقط الذي من حقه ان يجيب على هذا التساؤل اذا اراد. ثم اخيرا كان رد يسري فودة المطول و المصاغ بحرفيته المعهودة اليوم في تاريخ 30 اكتوبر في المصري اليوم. لكن ما لفت انتباهي نبرة العصبية و الحدة . عندما قال "ورغم تقديري الشديد لشغف الناس بالتفاصيل فإنني أشعر أحياناً برغبة كوميدية سوداء فى أن أخبط رأسي فى الحائط وأنا أصيح: «تفرق إيه يعنى؟.." اشعر بلهجة استهانة او او ربما ادق لفظا "استغراب شديد" لشغف الناس في معرفة تفاصيل ما حدث . يسري يعلم أكثر مني ان اي رسالة او معلومة تصدر من الاعلامي و اي مصدر للمعلومة الذي يحدد اهميتها هو المتلقي و ليس المٌلقي او المصدر. نعم التفاصيل في غاية الاهمية و أهم من كل ما قاله فودة على مدى الاسابيع السابقة لاننا نريد ان نعرف من يعمل ضد الثورة و من يريد اجهاضها فهذا حقنا عليه وحق البلد و حق الثورة عليه ومن حقنا ايضا ان نعلم ماهي الضغوط التي مورست و كيف ومن تحديدا ؟ بل كان يجب ان يطالبهم ان يشرحوا وجهة نظرهم على الملأ وليس على الموبايل و لماذا يريدون قمع الاعلام وما هو هدفهم . مش يمكن نقتنع؟
انا واحد من الملايين المحبين و المتابعين ليسري فودة و كل ما رغبت ان أعبر عنه في هذا المقال هو مجرد تنويه و اشارة اتمنى ان تصل له ان الظروف وضعته في موقف و مسؤولية تاريخية تتعدى كثيرا دور الاعلامي الحر المحترف ومازلنا ننتظر منه الكثير و عودا حميدا للكلام الذي لن ينتهي في "آخر كلام
